الحوكمة التشاركية وبناء السلام في اليمن: دروس من عدن

الحوكمة التشاركية وبناء السلام في اليمن: دروس من عدن

الحوكمة التشاركية وبناء السلام في اليمن: دروس من عدن

كتبت/ د. هدى عارف على حسين

الحوكمة وبناء الثقة ومعالجة جذور النزاع

   في اليمن حيث امتدت آثار النزاع لتشمل البنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، لم تعد الحوكمة مجرد إطار إداري؛ بل صارت شرطًا أساسيًا لإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة وتحقيق الاستقرار المستدام. الحوكمة هنا تعني ممارسات تحدد من يشارك في صنع القرار، من يصل إلى الخدمات، وكيف توزع الموارد. 

   يطرح هذا المقال سؤالًا إشكاليًا: هل يمكن للحوكمة أن تكون أداة عملية لتحقيق العدالة والتمكين؟

   تتطلب الإجابة قراءة مبادئ الحوكمة، ودروسًا من تجارب دولية قابلة للاقتباس، وتحليلًا دقيقًا لواقع الفئات المهمشة في اليمن مع اقتراح مسارات تطبيقية قابلة للتنفيذ.

   تقوم الحوكمة الرشيدة على أربعة مبادئ مركزية: الشفافية، والمساءلة، المشاركة، وسيادة القانون. هذه المبادئ ليست شعارات نظرية فحسب، بل أدوات عملية لمعالجة جذور النزاع؛ فالشفافية تقلل من تراكم مظالم تُغذي الاحتقان، والمساءلة تحول المؤسسات من هيئات متسلطة إلى جهات خادمة للمواطنين، والمشاركة تفتح قنوات لصوت الفئات المهمشة، وسيادة القانون توفر آليات سلمية لحل النزاعات. 

   وربط هذه المبادئ بمفاهيم بناء السلام يعني تحويلها إلى سياسات وبرامج قادرة على معالجة التهميش والفساد وضعف الخدمات وانعدام الثقة.

   في السياق اليمني حيث تقدم البنى القبلية والآليات التقليدية دورًا مهمًا في إدارة النزاعات المحلية، يمكن تحويل هذه الشبكات إلى شركاء في الحوكمة التشاركية عبر آليات رسمية للقرار المحلي، ما يعزز شرعية القرارات ويقوي شبكة الحماية الاجتماعية.

 فالتجارب الدولية تظهر أن الحوكمة المصممة بعناية قادرة على إحداث تحول جذري بعد النزاع، فقد اعتمدت دول مثل رواندا سياسات حوكمة شاملة أعادت توزيع السلطة بسرعة نسبية، فارتفعت نسبة النساء في البرلمان إلى نحو 61%، وزادت مشاركة الشباب في المؤسسات المحلية. مع خطوات أولية لإدماج الأشخاص ذوي الإعاقة في المبادرات المجتمعية. 

   الدرس الذي يمكن استخلاصه لليمن هو أن الإصلاح المؤسسي وحده لا يكفي؛ بل يجب أن يقترن بتغيير في قواعد اللعبة السياسية والاجتماعية، وبآليات تضمن أن تكون المؤسسات متاحة وملموسة في حياة الناس اليومية.

التمكين العملي للفئات المهمشة

   يمكننا رصد نماذج محلية في اليمن تُظهر كيف تتحول هذه المبادئ من إطار نظري إلى ممارسة ملموسة. في مديرية المنصورة بمحافظة عدن، أسهم تمكين إدارة المرأة في السلطة المحلية ومنحها دورًا فعليًا في اتخاذ القرار المتعلق بالمشاريع الخدمية والاجتماعية في توجيه الموارد نحو أولويات أكثر التصاقًا باحتياجات المجتمع، خصوصًا في مجالات الحماية والخدمات الاجتماعية. 

   يبين هذا النموذج أن المشاركة الحقيقية وليس الشكلية للنساء في صنع القرار المحلي يمكن أن تحسن جودة التخطيط، وتعيد تعريف أولويات المشاريع، وتعزز الثقة بين المجتمع والسلطة المحلية.

   وعلى الرغم من هذه النماذج الإيجابية، لا يزال الواقع اليمني يشير إلى أن مشاركة النساء والشباب والأشخاص ذوي الإعاقة في صنع القرار لا تزال محدودة للغاية، حيث لا تتجاوز نسبة النساء في المناصب العليا تقريبًا 5%، بينما مشاركة الشباب في المجالس المحلية أقل من 20%، والأشخاص ذوو الإعاقة شبه مغيبين عن التمثيل الرسمي. 

   تؤدي هذه الفجوات إلى سياسات لا تعكس احتياجات شريحة واسعة من المجتمع اليمني، وتُبقي موارد الدولة بعيدة عن أولويات الفئات الأكثر هشاشة.

   لذلك يتطلب التمكين العملي للفئات المهمشة إجراءات محددة ومتكاملة، حيث لا يكفي الإعلان عن مبادئ الشمول، بل يجب وضع آليات تمثيلية ملزمة تضمن وجود النساء والشباب وذوي الإعاقة والنازحين في مجالس التخطيط المحلية، سواء عبر حصص مؤقتة أو منصات تشاركية رسمية. كما يجب ربط برامج التمكين الاقتصادي بالتدريب القيادي والتمويل الصغير، بحيث تتحول المبادرات المحلية إلى محركات دخل واستقلالية. 

   بالنسبة للأشخاص ذوي الإعاقة، يتطلب الأمر تكييف البنية التحتية والخدمات لتكون وصولية، وتوفير برامج إعادة تأهيل ودعم نفسي واجتماعي، وإدماجهم في عمليات التخطيط لضمان أن السياسات لا تتركهم خارج دائرة الفائدة. 

   أما الشباب فوجودهم كقوة ديموغرافية يتطلب فتح قنوات فعلية لمشاركتهم في صنع القرار المحلي، عبر منصات تشاركية تربط بين التدريب والفرص الاقتصادية والمشاركة السياسية.

   تُظهر بعض التجارب المحلية أن هذا التمكين ليس افتراضًا نظريًا، ففي عدد من المديريات، أدى تمكين الشباب في مواقع قيادية داخل مكاتب السلطة المحلية إلى تحسين فاعلية القرار على مستوى المديريات. 

   وعندما أصبح لمديري ومديرات المكاتب الشباب دور حقيقي في التخطيط والتنسيق والتنفيذ، تحولت المشاركة من حضور رمزي إلى ممارسة مؤسسية، انعكست في تسريع الإجراءات، وتحسين التنسيق بين الإدارات، وتعزيز الاستجابة للاحتياجات المحلية، بما يؤكد أهمية الاستثمار في الكفاءات الشابة داخل بنية الحكم المحلي.

التحديات والحوكمة كإطار للعدالة والسلام

   يبقى التحدي العملي في تحويل هذه الرؤى إلى سياسات قابلة للتنفيذ في ظل قيود حقيقية؛ الثقافة الذكورية التي تحد من مشاركة النساء، وضعف القدرات الإدارية في بعض السلطات المحلية، وغياب الإرادة السياسية لدى أطراف فاعلة، والتمويل المحدود في ظل أزمة اقتصادية وإنسانية. 

   كما أن أعباء النزوح الداخلي تضيف ضغطًا هائلًا على الخدمات المحلية، ما يستدعي خطط استجابة مرنة وممولة على مستوى المحافظات المستضيفة. لذلك ينبغي أن تكون استراتيجيات الحوكمة متزامنة، تجمع بين إصلاح مؤسسات الحكم المحلي، وتعزيز المساءلة المجتمعية، وإطلاق برامج تمكين تقاس نتائجها بمؤشرات واضحة لا بالمدخلات فقط.

في النهاية، الحوكمة ليست وصفة سحرية بحد ذاتها، لكنها الإطار الذي يجعل من العدالة والتمكين خيارًا عمليًا. فعندما تُبنى المؤسسات على الشفافية والمساءلة وتفتح أبوابها للفئات المهمشة، تتحول من مجرد آليات لإدارة الموارد إلى محرك لإعادة بناء الثقة والسلام المستدام. 

   يحتاج اليمن بتركيبته الاجتماعية وتعقيداته السياسية إلى حوكمة محلية قوية، وآليات مشاركة ملزمة، وبرامج تمكين موجهة لكل فئة مهمشة. وبهذه الشروط فقط يمكن أن تتحول الحوكمة من مفهوم نظري إلى أداة يومية تُحسّن حياة الناس وتقلل من احتمالات تجدد العنف.