بين البناء السردي والواقع الاقتصادي: أثر الاستعمار على الأدب والرواية
بين البناء السردي والواقع الاقتصادي: أثر الاستعمار على الأدب والرواية
نستطيع أن نعرف العمارة السردية في الأدب بأنها البنية والأساليب التي يستخدمها الكاتب لبناء القصة، وفي كل مراحلها بدءً من اختيار الراوي وتسلسل الأحداث، إلى وصف الشخصيات والأماكن. وبهذا المعنى لا تعتبر مجرد أداة لنقل الوقائع ووصفها بل هندسة متكاملة للنص.
تظهر العمارة السردية بوضوح في أعمال نجيب محفوظ، والذي لم يستخدم وصف المنازل والأحياء في رواياته كحشوً لفظي، بل كعنصر أساسي يُعرف بـ "المكان الروائي" أو "بناء المكان"، ويعد أداة تساعد القارئ بأن يتعرف على الأوضاع الاجتماعية للشخصيات، ووضعها النفسي، وطبيعة علاقتها بالمحيط.
وعليه، العمارة السردية ليست تقنية صرفة، بل انعكاس لرؤية الكاتب للعالم، وهي من تؤثر في كيفية تلقي القارئ لمفاهيم المعاناة والظلم والصراع، وتسهم في تعميق فهم التجربة الإنسانية ضمن سياقاتها التاريخية والسياسية والاجتماعية، والتمكين من تأمل الواقع وتحليل تعقيداته.
تشكل تصورات ما بعد الاستعمار عنصر جوهري في العمارة السردية، حيث تضطلع بدور مهم في إعادة قراءة التاريخ من منظور أولئك الذين عانوا من الهيمنة الاستعمارية وتبعاتها؛ فأدب ما بعد الاستعماري لا يكتفي بسرد التاريخ أو انتقاد الهيمنة المباشرة، بل يتعمق في الأبعاد النفسية والثقافية التي خلفها الاستعمار، والتي استمرت في تشكيل وعي الأفراد والمجتمعات (Watson, T. (2015) The Colonial Novel.
تساهم هذه التصورات أيضًا في تقديم نقد ضمني للسلطة وللسرديات الرسمية التي تحاول فرض رؤية واحدة للتاريخ، فهي تسمح للكاتب أن يعيد بناء الذاكرة الجمعية "المشتركة" من منظور المضطهدين والمهمشين.
في هذا السياق، نشيد بالدور التي قدمته إحدى المبادرات العربية في الآونة الأخيرة، مبادرة "مقتطفات" التابعة لـ K-oh-llective، والتي هدفت إلى سرد التاريخ من منظور بديل يوضح كيف يمكن للفن أن يعيد تصور الحروب والصراعات والأنظمة الاستبدادية، مع التركيز على مفاهيم المقاومة والعدالة، واستشراف مستقبل بديل، وتحدي السرديات الرسمية.
وتأتي الواقعية المناهضة للرأسمالية في هذا النوع من الأدب لتكمل البعد النقدي للعمارة السردية. بدأت هذه الحركة الأدبية بالظهور منذ القرن التاسع عشر الميلادي، بالتوازي مع الثورة الصناعية وانتشار الرأسمالية الحديثة في أوروبا وأمريكا.
الواقعية هنا تعني تصوير الحياة كما هي بصدق وتفصيل مع التركيز على التفاصيل اليومية للناس. أما المناهضة للرأسمالية فتعني أن النصوص الأدبية أصبحت لا تكتفي بوصف الفقر أو الظلم الاجتماعي كحالات فردية، بل تتناول ما دور البنى الاقتصادية للرأسمالية في استمرار الاستغلال، وإعادة إنتاج الفوارق، وعدم المساواة بين الناس.
عند دمج العمارة السردية مع تصورات ما بعد الاستعمار والواقعية المناهضة للرأسمالية يتحول النص الأدبي إلى عمل تكون فيه الأبعاد السياسية والثقافية والاجتماعية متداخلة مع بعض، ليبين بذلك شكل الصراعات البنيوية المركبة، ويطرح الإشكاليات الأساسية المرتبطة بالعدالة والحرية والهوية.
هذه التداخلات تمنح قوة للنص، لأنه لا يصبح فقط ناقلًا للأحداث، بل أداة لتحليل التحولات في العالم. وهي تساعد القارئ في أن ينخرط بالتفكير النقدي والتأمل في العلاقة بين الفرد والمجتمع وبين التاريخ والاقتصاد والسلطة، بحيث لا يكون مجرد متلقيًا سلبيًا، بل مشاركًا في تجربة فكرية وشعورية متكاملة.
بالنسبة للكاتب فإن هذا التكامل يتيح له التحكم في تحديد أبعاد الزمن والمكان والشخصيات بما يعكس تعقيدات الواقع، ويمكنه أيضًا من توظيف الأساليب السردية المتنوعة، مثل (التناص والاستعارة والفانتازيا)، والتي تساعده في تجسيد الصراعات الداخلية والخارجية للشخصيات، وتناقضات البنية الاجتماعية.
في هذا الإطار يمكن الاستفادة من أعمال الكاتب الجنوب إفريقي ج. م. كوتزي، حيث يُبرز ستيفن واتسون في تحليله لرواياته كيف يظهر الاستعمار كقوة مزدوجة خارجية وداخلية، تؤثر في الشخصيات والبنى النفسية والاجتماعية، وتعيد إنتاج علاقات القوة والضعف بين السيد والخادم، وكذلك الهيمنة والخضوع (Watson, 1978؛ Coetzee, 1978).
وبالمثل تكشف دراسة الدكتور كريشنا بيجو عن تأثير الاستعمار على البنى السردية في الأدب الإنجليزي ما بعد الاستعماري، من خلال استخدام الجداول الزمنية غير الخطية، والسرد متعدد الأصوات، والتناص في أعمال تشينوا أتشيبي، وسلمان رشدي، وأرونداتي روي، باعتبارها أدوات سردية تعكس الهوية، والتهجين الثقافي، واستراتيجيات المقاومة (Prabha Biju, 2025).
ويشير تيم واتسون من جامعة ميامي إلى أن الرواية الإنجليزية منذ نشأتها ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بصعود الإمبراطورية البريطانية، وأن تطور أشكالها السردية كان متزامنًا مع تشكل القيم الإمبريالية، مما يجعل معظم الروايات الإنجليزية الكلاسيكية قابلة للتحليل من منظور استعماري (Watson, T. (2015). The colonial novel. In A. Quayson (Ed.), The Cambridge Companion to the Postcolonial Novel (pp. 15–34). Cambridge University Press).