حقوق النساء في اليمن بين الواقع الاجتماعي والتأطير الأيديولوجي

حقوق النساء في اليمن بين الواقع الاجتماعي والتأطير الأيديولوجي

حقوق النساء في اليمن بين الواقع الاجتماعي والتأطير الأيديولوجي

كتبت/ أمل السبلاني 

   في اليمن غالبًا ما تُوصف المطالبة بأبسط حقوق النساء وبأي شكل كان تبنيها، بأنها "نسوية"! لا تكمن الإشكالية في استخدام المصطلح كتوصيف فكري، بل التعامل معه كأداة للتشكيك والتشويه، وكأن حضور المرأة في الفضاء العام ومطالبتها بحقوقها الأساسية تُمردًا على المجتمع والدين والهوية.

  وعليه لا يتم التفريق بين حركة نسوية منظمة، وبين امرأة تطالب بحقها في التعليم أو العمل أو العيش بكرامة، حيث يُختزل كل ذلك في اتهام واحد، أفكار مستوردة أو تغريب أو مؤامرة، وهو ما لا يعكس واقع النساء في اليمن، الذي لا يعرف بالأساس حركة نسوية بالمعنى المتداول في الأدبيات الغربية أو حتى العربية، ذات أطر تنظيمية واضحة أو تنتمي إلى مدارس فكرية معينة أو لها مطالب راديكالية تسعى لإحداث قطيعة مع البنى الاجتماعية القائمة. 

   ما يوجد في جوهر الواقع هو نساء يطالبن بحياة طبيعية فقط؛ أن يتعلمن دون انقطاع، وأن يعملن متى أردن ذلك، وأن يكن لهن حرية اختيار شريك الحياة ضمن إطار الأسرة، وأن يحصلن على ميراثهن،  وأن لا يتعرضن للعنف الأسري، ويُعترف بقيمة عملهن داخل الأسرة وخارجها، وجميعها مطالب إنسانية أساسية، بعيدة على أن تصنف بحركة أيديولوجية تسعى إلى إعادة تشكيل العلاقات وفق إطار فكري معين.

   النساء في اليمن لا يطالبن على سبيل المثال بالتسوية مع الرجل كما هو حاصل في الحركات الغربية، ولا بإعادة تعريف الأسرة أو العلاقات الاجتماعية، ومع ذلك يتم تجاهل هذه الفروقات الجوهرية في النقاش العام، ويتم التعامل مع النسوية وكأنها مفهوم واحد ثابت لا يتغير بتغير السياق الذي تنشأ فيه.

    يعد تحميل المجتمع وحده مسؤولية هذا الالتباس تبسيط مخل، فجزء من الإشكالية يعود بلا شك إلى الخطاب الحقوقي نفسه، وإلى بعض الناشطات والناشطين الذين أسهموا – بوعي أو بدونه – في تكريس صورة الصدام، وكثيرًا ما جرى التعامل مع المطالبة بحقوق النساء بوصفها معركة مسبقة، ونضالًا في وجه مجتمع يُفترض منذ البداية أنه عدو. 

ذلك الافتراض خلق مناخًا تصادميًا، قدم الخطاب لا بهدف الإقناع أو التغيير التدريجي، بل بوصفه تحديًا مباشرًا، وكأن الصدام قيمة بحد ذاته. والأخطر من ذلك أن هذا الخطاب غالبًا ما يُقدم دون أي جهد لتوضيح أنه لا ينتمي إلى تيارات خارجية، ولا يشكل امتدادًا لحركات نسوية أخرى. 

والغموض في واقع شديد الحساسية مثل اليمن لم يكن خيارًا موفقًا، وظهر ذلك في نتائجه، حيث ترك المجال مفتوحًا أمام التأويل، وساهم بشكل غير مباشر في وجود ربط تلقائي بين أي حديث عن حقوق النساء وبين “النسوية الغربية”، وهذا بدوره عزز ردود فعل مجتمعية حادة، لا لأن المطالب بحد ذاتها مرفوضة، بل لأن الخطاب بدا منفصلًا عن السياق اليمني.

    في إحدى التجارب التي مررتُ بها شخصيًا، خلال نقاش حول قضية التحرش بالنساء في اليمن، استخدمت عبارة تنتمي إلى الوجدان الاجتماعي اليمني: «اعتبرها أختك أو أمك أو زوجتك». عبارة بسيطة، و هي باعتقادي تخاطب منظومة قيم قائمة، وتستند إلى رادع أخلاقي مفهوم اجتماعيًا.  قوبل هذا الخطاب بالرفض من قبل إحدى الناشطات – التي تُصنف نفسها ضمن التيار النسوي – باعتباره خطابًا مستهلكًا، ويظهر نوعًا ما من التنازل  الفكري. وهنا تظهر المفارقة بوضوح، أيهما أكثر فاعلية، خطاب يتجاهل السياق، أم خطاب ينطلق منه؟

   استخدام مفردات مستوردة، أو تبني خطاب يصلح في بيئات أخرى، لا يجعل الخطاب أكثر تقدمية بل أكثر عزلة، والناشط أو الناشطة الذين لا يدركون أن اللغة جزء من الفعل، وأن اختيار المفردات قد يكون أداة تغيير أو نفور، يساهمون عمليًا في تكريس الفجوة بين قضايا النساء والمجتمع. 

   وبالطبع الأمر لا يتوقف عند حد اللغة بل يمتد إلى مصادر المعرفة ذاتها، فحقوق النساء في اليمن لا يمكن استيعابها من مناهج جامعات أوروبية، ولا من أدبيات حركات نسوية نشأت في سياقات اجتماعية واقتصادية مختلفة جذريًا، ولا من مؤتمرات دولية تُنتج توصيات عامة، بل تُفهم من دراسة المجتمع اليمني نفسه وتركيبته القبلية وعلاقته بالدين، ومن تأثيرات الحرب والفقر، ومن أدوار النساء الفعلية، ومن فهم عميق لتعقيدات المجتمع.

   لذلك عملية المطالبة بحقوق النساء في اليمن، إذا أُريد أن يكون لها تأثير واضح وملموس على أرض الواقع، يجب أن تُفهم وفقًا لسياقها الخاص، بوصفها ممارسة محلية لا مشروعًا مستوردًا ينطلق من النماذج الجاهزة.