ضحية لا جانية

ضحية لا جانية
كتبت/ ريم درويش
لو كان لكل امرئٍ أن يختار أهله، لكنت اليوم في حالٍ أفضل...
بهذه الكلمات كنت أستسهِل حديثي مع نفسي كلما ضاقت بي الدنيا!
أنا سلمى، نسجت أقدار حياتي فصولًا من اللوم المرير والعتاب القاسي، وتلقي علي الأوزار، وتلبسني خطايا لم أَقترفها. حملت ذنوب أبي، وأنا طفلة بريئة الروح، لم تعرف من الوجود إلا وشوشة الحب ودفء الطمأنينة.
كان والدي تاجرًا ذا شأن، وكنا ننعم بحياة هادئة سعيدة، تظللها السكينة، حتى هوت الكارثة التي زجت به في غياهب السجن لسنين طويلة. تجمدت ثروته، وأصبحت أيدينا خاوية، ولم يعد بوسعنا البقاء في وطننا الذي احتضن ذكرياتنا، فانتقلنا إلى حيث يقيم خالي الحاني، ملاذنا الوحيد.
احتضننا بقلب فاض بالحنان، غمرنا بمحبة لا تُضاهى، وتكفل بأمري وبعلمي، فأكرمني بأحسن تعليم، ولم يبخل علي بشيء. في تلك الفترة كنت أدرس في مدرسة خاصة، وكنت قد بلغت السادسة عشرة من عمري، وبدأت أتأقلم مع عالمي الجديد، وأتجاوز ما حل بنا من نكبات، وتعرفت على أصدقائي الجدد.
وذات يوم، انقض علي سؤال كالصاعقة من أحد الزملاء: "أين والدك يا سلمى"؟
كلمات قليلة، لكنها كانت كفيلة بهز كياني، وتشتيت تركيزي. كنت قد تلقيت تحذيرات مسبقة من هذا الموقف، وأوصتني أمي بما أقول عند حدوثه.
كان جوابي حينها، كذبة بيضاء أثقلت روحي: "أبي رحل عن دنيانا"!
خنقني ثقل الكذبة، فأبي كان أعظم رجل في ناظري، ولا أعلم ما الذي دفعه لما اقترف، فهو لم يبال بنظرات العيون الثاقبة، لم يدرك كيف ستتغير ملامح حياتنا من بعده.
وكانت العقوبة قدري المحتوم، الذي أتحمله لوحدي ...
حين انكشفت الحقيقة الصارخة في المدرسة، بعد أن أفشى والد صديقتي "نور" السر لأنه كان صديق خالي، علم الجميع أن والدي لم يمت، بل في السجن يقبع. ذلك الصباح لم يكن ككل صباح، بل كان صباحًا مشؤومًا، صباحًا تفجرت فيه الآلام، وتداعت فيه كرامتي، وتهشمت فيه روحي، وتحولت فيه إلى مادة دسمة للهمز واللمز، وصارت سيرتي على كل لسان.
انهالوا علي بالاستهزاء والسخرية، نعتوني بأبشع النعوت، وأقسى الألفاظ، حتى إن إحداهن دفعتني أرضًا وقالت بصوت يمزق الفؤاد:
"يا ابنة السجين"!
وانفجر الباقون ضحكًا واستهزاءً، كأنهم يحتفلون بانهياري ...
لم أحتمل، خرجت مسرعة من المدرسة، أركض بلا وعي، بلا وجهة، حتى تلاشت قواي، وخارت ركبتاي، وشعرت أن قلبي كاد يتوقف عن النبض.
جلست على رصيف الطريق، أغالب دموعي التي كانت تتسابق على خدي، أنهشت أبي بكلمات الغضب، دون قصد، ولكن هو سبب ما أنا فيه، لن يبق أحد إلى جانبي بعد الآن، وستغمرني نظرات الشفقة أو سهام الازدراء.
أنا لم أطلب من أبي أن يفعل ما فعل، ولا حيلة لي فيما اقترف، ومع ذلك، أنا من تتلقى اللطمات ... تتجرع مرارة الظلم، فقط لأنني أحمل أسمه.
عدت إلى البيت بعد اتصالات متكررة من أمي وخالي، وقد كاد القلق يفتك بهما حين علما بما جرى. عدت بصمت ثقيل، لا رغبة لي بالكلام، دخلت غرفتي وأوصدت الباب خلفي، وأمي تنادي من الخارج، وصوتها يرتجف:
"سلمى، افتحي لي، طمئنيني".
قلت بانكسار، وصوتي بالكاد يخرج: "دعيني وحدي يا أمي، لا طاقة لي بالكلام".
تركتني وشأني، وغمرتني مشاعر حزن عميقة، وبكيت بكاءً مريرًا لا يتوقف. غفوت مجبرة دون أن أشعر، ولم أستيقظ إلا على صوت أذان المغرب يصدح في الأفق.
نهضت، بثقل ينهش الروح وخدر يلف الجسد، دخلت الحمام، اغتسلت وتوضأت، وغيّرت ثيابي، وارتديت ثوب الصلاة.
وقفت بين يدي ربي، والدموع تهطل بلا إذن، دموعي كانت سجودًا آخر، وانكساري كان محراب سجودي الصادق، وحين انتهيت، رفعت كفي إلى السماء، أدعو خالقي أن يجبر كسري، ويمنحني صبرًا على ما مضى وما هو آت.
جاءت أمي إليّ تطمئن، طرقت الباب، فتحت لها، فدخلت تحاول أن تسكن آلامي بكلماتها الحانية، لكن كلماتها لم تكن بلسمًا كافيًا ليداوي جراحي الغائرة.
قلت لها، ومرارة السنين تتجمع في حلقي: "أتدرين يا أمي ما يقولون عني؟ يقولون إنني سأغدو مجرمةً مثله، وصمة عار، وإن لا موطئ قدم لي في هذا الوجود، ولا بين البشر"!
أيحق لهم أن يرموني بكل هذه الاتهامات، فقط لأني أبنته؟
ما ذنبي؟ لم أكن يومًا مثله، ولم اختر أن أكون كذلك.
ابنتك اليوم يا أمي تعرضت لصفعة لن تمحوها الذاكرة، كأنني أصبحت وصمة عار حتى على ذاتي. لا أريد العودة إلى المدرسة، بل لا أريد الخروج من غرفتي أصلًا. دعيني هنا، بين أربعة جدران ترأف بي أكثر من البشر. دعيني ألوذ بصمتي، فأنا أحن من كل من جرحني، وأرق من كل من قسى.
أبي، دون أن يدري، أودى بحياتي ومستقبلي، لو كان لي أن أختار، لاخترت أبًا يصون اسمه لأجل ذريته، وأمًّا لا تساير أبًا في غيه، بل تحمي فلذات كبدها من جنونه، فقط لنحيا حياة خالية من العقد والندوب النفسية.
هذا المجتمع لا يقتص من الجاني بقدر ما يقتص من البريء، فعقولهم ضحلة، لا تعرف ميزان العدل، ولا تتجاوز أبصارهم حدود أنوفهم، لا يدركون أن لا جريرة لي سوى أنني وُلدت من صلب ذلك الأب، ولا يؤخذ أحد بوزر غيره".