تحديات صناعة السينما في اليمن وسبل التطوير
مقال تحليلي نقدي
كتبت/ أمل السبلاني
شهدت السنوات الأخيرة ازديادًا ملحوظًا في إنتاج الأفلام اليمنية التي سعت إلى تناول الجوانب الإنسانية للمجتمع، وتوثيق قضاياه بعيدًا عن الأطر الفنية التقليدية. وتُعد هذه الأعمال انعكاسًا لإبداع فردي لمخرجين ومبدعين شباب يحاولون، رغم الصعوبات، نقل صورة مختلفة عن اليمن، غير أن هذه الجهود ما زالت تصطدم بتحديات كبيرة تقف أمام تطور الصناعة السينمائية في البلاد، وتحدّ من قدرتها على الاستمرارية والابتكار وتحقيق حضور تجاري مؤثر.
تواجه السينما اليمنية أزمات جوهرية في التمويل والإنتاج نتيجةً للظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد منذ سنوات، وهو ما انعكس على ضعف الميزانيات المتاحة وندرة الاستثمارات في هذا القطاع الحيوي. كما ساهم غياب الدعم الحكومي وقلّة المنشآت السينمائية ذات العائد المالي المحدود في الحدّ من قدرة المخرجين والمنتجين على تنفيذ مشاريعهم وتحقيق رؤاهم الإبداعية، مما أثّر سلبًا على جودة الأعمال ومستوى التطوير الفني المطلوب.
وتمثل البنية التحتية التقنية تحديًا آخر أمام تطور الصناعة السينمائية في اليمن، فرغم وجود عدد من شركات الإنتاج المحلية، إلا أنها تفتقر في الغالب إلى التجهيزات الحديثة القادرة على إنتاج أفلام ذات جودة عالية، في ظل غياب صالات العرض المجهزة تقنيًا. وقد أشار المخرج عمرو جمال في حديثه إلى أخبار الأمم المتحدة إلى أنه اضطر لاستئجار قاعة أفراح في عدن لعرض فيلمه "عشرة أيام قبل الزفة"، حيث جرى العرض عبر شاشات خشبية بدلاً من أجهزة العرض السينمائية الحديثة، ما يعكس بوضوح حجم التحدي أمام المخرجين في إيصال أعمالهم إلى الجمهور.
لا يقف الأمر عند نقص المعدات فقط، فهناك أيضًا غياب للتعليم والتدريب المتخصص في مجال السينما، سواء للمخرجين أو الممثلين أو فرق الإنتاج. هذا النقص في الكوادر المدربة يؤدي إلى ضعف في الاحترافية الفنية ويجعل الأعمال تفتقر إلى الدقة التقنية والإبداع البصري. كما تشكل الظروف الأمنية والنزاعات المسلحة عاملًا إضافيًا يعيق تطور هذا القطاع، إذ أدت الضربات الجوية وانعدام الاستقرار السياسي إلى تدمير بعض البنى التحتية الثقافية، وتقييد عمليات التصوير في مواقع متعددة. إلى جانب ذلك، فرضت التحولات السياسية والاجتماعية قيودًا ثقافية صارمة حدّت من حرية التعبير الفني وأثّرت على تنوع الأفكار السينمائية.
ورغم هذه التحديات المعقدة، لا يزال الأمل قائمًا في تجاوز العقبات وبناء صناعة سينمائية يمنية قادرة على النهوض من جديد. فالتطوير يتطلب تضافر الجهود الرسمية والمجتمعية لتوفير الدعم المالي واللوجستي وتحسين البنية التحتية عبر إنشاء استوديوهات وصالات عرض حديثة تواكب التطور التكنولوجي العالمي. ويمكن لصنّاع السينما الشباب الاستفادة من التكنولوجيا منخفضة التكلفة في عمليات الإنتاج والمونتاج باستخدام برامج تحرير مجانية مثل DaVinci Resolve وLightworks، مع توظيف المنصات الرقمية مثل YouTube وNetflix وAmazon Prime لعرض أفلامهم والوصول إلى جمهور واسع. كما يمكن اللجوء إلى مواقع التمويل الجماعي مثل Kickstarter وIndiegogo لتأمين الدعم المالي اللازم.
وإلى جانب الجانب التقني، يجب الاهتمام بتأسيس مؤسسات ثقافية ومراكز تدريب متخصصة تهتم بتأهيل الموهوبين وتطوير مهاراتهم في مجالات الإخراج والتصوير والكتابة السينمائية. ويمكن أن يتم ذلك عبر وزارة الثقافة أو بالتعاون مع منظمات دولية تُعنى بالفنون والإبداع. كما تبرز الحاجة إلى صياغة إطار قانوني يحمي حقوق المبدعين ويكفل حرية التعبير الفني دون قيود غير مبررة.
ويُعد تنظيم مهرجانات سينمائية محلية خطوة ضرورية لتشجيع صناع الأفلام وتوفير منصة لعرض إبداعاتهم للجمهور، إلى جانب إطلاق حوار وطني جاد يناقش واقع السينما اليمنية وسبل تطويرها من خلال ضمان الاستقرار السياسي، وتوفير الدعم المالي والتقني، وتعزيز الوعي الثقافي بأهمية الفن السابع في تشكيل الهوية الوطنية.
وبالاستفادة من التعاون الدولي وتبادل الخبرات مع دول تمتلك تجارب سينمائية متقدمة، يمكن لصناع السينما اليمنيين المضي قدمًا نحو بناء صناعة حقيقية قادرة على المنافسة إقليميًا ودوليًا. ورغم أن الطريق ما زال طويلًا وشاقًا، فإن الإيمان بقدرة الفن على تجاوز الحدود والصعوبات يجعل الأمل ممكنًا. فصناعة السينما في اليمن ليست مجرد نشاط ترفيهي، بل هي مرآة للذاكرة الجمعية، ووسيلة للحفاظ على الهوية الثقافية للشعب اليمني، الذي يصرّ على رواية قصته رغم كل ما يواجهه من تحديات.